أبي منصور الماتريدي

146

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - ثانيا - روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال : « آثر النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين أناسا في الغنيمة ، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل ، وأعطى عيينة مائة من الإبل ، وأعطى أناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة ، فقال رجل : والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله ، فقلت : والله لأخبرن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأخبرته ، فقال : من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ؟ ! رحم الله موسى ؛ فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر » . ثالثا - ثبت عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال في أسارى بدر : « لو كان المطعم بن عدي حيّا وكلمني في هؤلاء النّتنى لتركتهم له » . رابعا - ثبت عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه رد سبي هوازن وفيه الخمس . دلت هذه التصرفات وهذه الأحاديث على أن للإمام أن يفعل فيما يحصل عليه المسلمون من الكفار بحسب ما يرى من المصلحة ؛ فقد أعطى المؤلفة قلوبهم ، وليسوا ممن ذكر في الآية ، ورد الخمس على المجاهدين بأعيانهم ، ولم يكونوا ممن ذكر ، ودلت أيضا على أن هذه الأصناف المذكورة في الآية المقصود منها بيان المصرف لا بيان الاستحقاق . واستدل الشافعي ، وأحمد في الخلاف الأول بينهما ، وبين الحنفية - وهو عدد الجهات التي يصرف فيها الخمس - بما يأتي : أولا - قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ . . . الآية [ الأنفال : 41 ] ، فهذه الآية صريحة في وجوب إعطاء الخمس للأصناف التي ذكرت فيها ، وقد صرفه النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى هذه الأصناف . ثانيا - أن الله أوجب الخمس لقوم موصوفين بصفات ، كما أوجب الأخماس الأربعة لآخرين ، وقد أجمعوا على أن حق الأخماس الأربعة لا يستحقه غيرهم ؛ فكذلك حق أهل الخمس ، قالوا : ولفظ الجلالة ذكر في الآية ؛ للتبرك به وافتتاح الأمور باسمه لا لإفراده بسهم ؛ لأن الله له ملك السماوات والأرض ، فسهم الرسول - عليه الصلاة والسلام - يصرف بعده في مصالح المسلمين ؛ لما روى جبير بن مطعم أن رسول صلى اللّه عليه وسلم حين صدر من خيبر تناول بيده شيئا من الأرض أو وبرة من بعيره ، وقال : « والذي نفسي بيده ما لي مما أفاء الله إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم » فجعله لجميع المسلمين ، ولا يمكن صرفه إلى جميع المسلمين إلا بأن يصرف في مصالحهم . وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب ، يستوي فيه غنيهم وفقيرهم ؛ لقوله تعالى : وَلِذِي الْقُرْبى من غير فصل بين الغني والفقير ، ولأن الحكم المعلق بوصف مشتق يؤذن بعلية مبدأ الاشتقاق ، ولما رواه أحمد وأبو داود عن جبير بن مطعم قال : لما قسم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم سهم ذوي القربى من خيبر بين بني هاشم وبني المطلب جئت أنا وعثمان بن عفان ، فقلنا : يا رسول الله ، هؤلاء بنو هاشم لا ينكر فضلهم ؛ لمكانك الذي وضعك الله - عزّ وجل - منهم أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا ، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة فقال : « إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام ، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد » وشبك بين أصابعه . ولما روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أعطى العباس وكان من أغنياء قريش ، ولأنه حق يستحق بالقرابة بالشرع ؛ فيستوي فيه الغني والفقير كالميراث . وأما الحنفية فقد استدلوا على ما ذهبوا إليه في هذا الخلاف بما يأتي : أولا - ما رواه أبو يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن الخمس كان يقسم على عهده صلى اللّه عليه وسلم على خمسة أسهم : لله والرسول صلى اللّه عليه وسلم سهم ، ولذوي القربى -